ادفع لك عمري و احاسيس

 المفاهيم الأساسية

 

الأنساق المضمرة

        ينبني النقد الثقافي على نظرية الأنساق المضمرة، وهي أنساق ثقافية وتاريخية تتكون عبر البيئة الثقافية والحضارية، وتتقن الاختفاء من تحت عباءة النصوص، ويكون لها دور سحري في توجيه عقلية الثقافة وذائقتها، ورسم سيرتها الذهنية والجمالية.وعليه فإن النقد الثقافي هو مشروع في نقد الأنساق، والنسق مرتبط بكل ما هو مضمر من جهة، كما أنه “عبارة عن عناصر مترابطة متفاعلة متمايزة، وتبعا لهذا فإن كل ظاهرة أو شيء ما يعتبر نسقا ديناميا، والنسق الدينامي له دينامية خارجية تحصل بتفاعله مع محيطه وهنا نلمس تحولا جذريا ونوعيا يفترق فيه النقد الثقافي عن النقد الأدبي، بما أن الأخير معني بنقد النصوص، وهو بحث في جماليات اللغة وتوظيف المجاز للكشف عن الجماليات.            

 

المجاز الكلي

    إن المجاز الكلي هو المفهوم البديل عن المجاز البلاغي، وفي المجاز الكلي تنشأ الجملة الثقافية وتنشأ الدلالة النسقية، والجملة الثقافية هي رديف مصطلحي الجملتين النحوية والأدبية، والفرق بين الجملة الثقافية يماثل – بل يفوق – الفرق بين الجملة الأدبية والجملة النحوية، وبين المعنى والدلالة، وبين الدلالة الصريحة والدلالة الضمنية، فإن النقد الثقافي يميز بين ذلك كله، وبين الجملة الثقافية ومعها الدلالة النسقية ومفهوم المجاز الكلي كتطور نظري ومفاهيمي باتجاه نقد الأنساق، لا نقد النصوص، وباتجاه التأسيس لوعي نظري ونقدي مختلف نوعيا وإجرائيا.         

 التاريخانية الجديدة

تعتبر من الإفرازات النقدية لمرحلة ما بعد البنيوية، وفيها تجتمع العديد من العناصر التي هيمنت على اتجاهات نقدية أخرى كالاتجاه الماركسي والتقويضي، إضافة إلى ما توصلت إليه أبحاث الانتروبولوجيا الثقافية وغيرها.وتجتمع هذه العناصر لتدعم التاريخانية الجديدة في سعيها إلى قراءة النص الأدبي في إطاره التاريخي والثقافي حيث تؤثر الايدولوجيا وصراع القوى الاجتماعية في تشكل النص، وحيث تتغير الدلالات وتتضارب حسب المتغيرات التاريخية والثقافية. والتاريخانية كما يعرفها سعيد علوش : “نزعة ترمي إلى تفسير الأشياء في ضوء تصورها التاريخي، والتاريخانية في الأدب، دراسة لحركة أدبية باعتبارها وظيفة لتطوره الفني / السياسي / الاجتماعي / الديني، في مجتمع ما “.(28)

 

رواد المنهج الثقافي

       الرواد الغربيون

ميشال فوكو (1926-1984) : فيلسوف فرنسي من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، تأثر بالمدرسة البنيوية، أما في مشروعه الثقافي، فقد حلل تاريخ الجنون في كتابه “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي “. كما عالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون، وابتكر مصطلح “أركولوجية المعرفة “، كما حاول التأريخ للجنس من خلال ” حب الغلمان عند اليونان “، وصولا إلى معالجاته الجدلية المعاصرة كما في ” تاريخ الجنسانية “.له أيضا في هذا المجال كتاب “الكلمات والأشياء” صدر أواخر الستينات، وهو بحث حفري في العلوم الإنسانية.         ريتشارد هوجارت : ويعتبر من مؤسسي الدراسات الثقافية المعاصرة في جامعة بيرمينجهام، ويعد كتابه “فوائد القراءة والكتابة” كتابا تأسيسيا في هذا المجال.        ريموند ويليامز : ومن مؤلفاته “الثقافة والمجتمع”، و “الثورة طويلة الأجل”، ويرى ويليامز أن الثقافة هي كيان واحد لا يتجزأ، وأسلوب حياة كامل من الناحية المادية والفكرية والروحية، وقد تتبع مراحل تطور الثقافة، كما اهتم بظهور الثقافة الإنسانية في مجتمعات معينة حيث تشكلها الأنظمة المحلية والمعاصرة.        ستيوارت هول : عالم اجتماع وناقد أدبي، انضم إلى مركز الدراسات الثقافية منذ تأسيسه، وقد أمد هول حقل الدراسات الثقافية بتأثيرات ماركسية محورة أو مطورة، وظل مؤمنا بضرورة أن يكون لهذا الحقل من الدراسات ارتباط وتأثير في الواقع. فالقيمة الحقيقة عنده للمعرفة وللفكر تتمثل في مقدار تفاعلها وتأثيرها على المجتمع. وقد تأثرت الدراسات الثقافية البريطانية بكتابات ألتوسير وأنطونيو غرامشي بوجه خاص، إضافة إلى تأثيرات ماركسية أخرى.        بيير بورديو : ويعد من أعلام الدراسات الثقافية الفرنسية، ومما يراه أن الملكة الثقافية هي القدرة على قراءة الشفرات وفهمها، إلا أن هذه القدرة ومن ثم الملكة الثقافية لايتم توزيعها بين الطبقات الاجتماعية بشكل متاح.        أشيش كاندي : عالم نفسي وناقد ثقافي، الأب الروحي للدراسات الثقافية في جنوب شرق آسيا، طور هذا الحقل ليصبح نشاطا محليا يمكن ممارسته في مجالات المعرفة والهوية، وهو يعدّ نفسه من ضحايا التاريخ، ومجموعة من الأفكار الغربية مثل، العلم، العقلانية، التنمية، الدولة المستقلة… وهذه المعطيات هي التي حاول الوقوف عندها من خلال تناوله لمشروعه الثقافي.

   الرواد العرب   

ادوارد سعيد : مفكر وناقد ومنظر ذو أصول فلسطينية (1935-2003)، ويعتبر كتابه “الاستشراق” أحد نتائج هذه المنهجية الدراسية الجديدة، فانطلاقا من تصورات الاستعمار والاستعمار الجديد اللذين هيمنا على جزء كبير من أقاليم الكرة الأرضية. انكب ادوارد سعيد على دراسة انعكاسات تلك التصورات الاستعمارية في الأفكار السياسية الغربية، والأبحاث التاريخية، وأبحاث الآثار، وامتد تحليله إلى رحلات الاستكشاف والأدب الروائي والمسرحي، والفلسفة، وصولا إلى الثقافة الشعبية…ولقد فتح هذا الكتاب،”آفاقا جديدة في ميدان البحث وعلاقات البحث بين الغرب والمشرق العربي المعقد، وكانت نظرته متميزة بمعالجة دقيقة، ومعايشة مهمة لروافد الثقافة العربية، وكانت له تحليلات مهمة للفن العربي والشرقي”.(29)             محمد عابد الجابري :  له دراسات تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية سنة 1985.        جابر عصفور : وذلك من خلال تناوله للكثير من القضايا النقدية التي تنشر شهريا في مجلة العربي الكويتية.        إدريس الخضراوي : وذلك من خلال كتابه “الأدب موضوعا للدراسات الثقافية”، الذي يحاول الاقتراب من مجموعة من القضايا الشائكة التي تتناسل أسئلتها المتعددة حول النقد ومفهومه، وما أنتجه ذلك من جدل وسجال في تاريخ المعرفة الأدبية، فضلا عن تاريخ الأفكار وتجلياته المتعددة في نظرية الأدب بشكل عام. وقد قدم الباحث في هذا الكتاب “لنماذج من النقد الثقافي عند كبار مؤسسيه، وممارسيه في الزمن الثقافي المعاصر. ويمكن إجمال قضايا هذا النقد في أربع : الذات، الهوية، الآخر، المرأة”.(30)كما أن عمله يفصح عن اجتهاد وفائدة، الاجتهاد يتجسد في محاولة لمّ تشعبات وتداخلات أنساق ثقافية معاصرة لمرجعيات مختلفة، والفائدة يلمسها القارئ في التعرف على لغة نقدية جديدة انتصرت لمفهوم نظري وإجرائي، أخد يتجذر في الممارسة الثقافية النقدية العربية المعاصرة. إنه مفهوم النقد الثقافي الذي لايقتصر على النقد بل قد يمتد إلى الأدب الذي هو في جوهره نص ثقافي، يعكس كتابة متعددة الأنظمة والصيغ والأنساق.        وغير هؤلاء من الرواد كثير، وتدل هذه العناوين بمفكريها، على وعي أصيل بالمسألة الثقافية، إلى جانب ما تتناوله من موضوعات لها علاقة بالثقافة العربية، بجانب الكثير من الأعمال النقدية التي تناولت النصوص العربية.

 

 

 

 

 

 الغذامي ناقدا ثقافيا

لعل أكبر النقاد العرب الذين تبنوا منهج النقد الثقافي، بل ذهبوا إلى حد تطبيقه على الثقافة العربية، نجد الناقد والدكتور السعودي محمد عبد الله الغذامي، وهو أستاذ النقد والنظرية في جامعة الملك آل سعود بالرياض، حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة اكستر البريطانية.وقد كانت أول كتبه في مشروعه النقدي، عبارة عن دراسة لخصائص شعر حمزة شحاتة الألسنية، تحت اسم “الخطيئة والتفكير : من البنيوية إلى التشريحية ”. كما له كتاب تحت اسم “حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية”، الذي أثار جدلا واضحا حيث يؤرخ للحداثة الثقافية في السعودية. ويعد الغذامي من الأصوات الأخلاقية في المشهد الثقافي السعودي والعربي. وله عدة مؤلفات أغنى بها المشهد النقدي العربي، حيث أصدر “أكثر من  كتابا في شتى حقول المعرفة والنقد… أبرزها : الخطيئة والتفكير، التفكير والتفكير، تشريح النص، الصوت الجديد القديم، الموقف من الحداثة، الكتابة ضد الكتابة، ثقافة الأسئلة، القصيدة والنص المضاد، المشاكلة والاختلاف، رحلة إلى جمهور النظرية، المرأة واللغة، القارئ المختلف…”.

       ويعتبر كتاب (النقد الثقافي : قراءة في الأنساق الثقافية العربية) -  كتابا مثيرا حيث تولى بجرأة وشجاعة طرح فكرة النقد الثقافي طرحا جديا مشبوبا، كما أصل لهذه الفكرة نظريا ومعرفيا وممارسة. إن كتاب النقد الثقافي دراسة في نظرية النقد الثقافي، وجعل منها مدخلا لفهم العيوب النسقية في الشعر العربي - بصفته ديواننا والخطاب الأبرز للأمة العربية - ، عبر تتبع منافذ هذه العيوب في كتب التاريخ ومدونات الشعر، حتى ينتهي للشعر المعاصر وقضية الحداثة التي يحاكم فيها أبرز الشعراء المعاصرين  كنزار قباني وأدونيس.        وقد انطلقت فكرة مشروع النقد الثقافي عند الغذامي من خلال مجموعة من المناقشات واللقاءات بمجموعة من المدن العربية منذ أواخر سنوات التسعين، وتعدّ الثقافة العربية الموضوع الأساسي لكتاب النقد الثقافي حيث حاول من خلاله الغذامي مقاربتها ودراستها وفق آليات المنهج الثقافي من خلال ما يتعلق بآداب البادية، والشعر النبطي، والأدبيات الشعرية…        ويعتبر هذا الكتاب، ” أول كتاب عربي يحمل من خلال عنوانه إشارة صريحة إلى تبني النقد الثقافي منهجا في الدراسة والتحليل”.