ادفع لك عمري و احاسيس

 

شهد الشعر المغربي الحديث تطورات كبرى في جميع بنياته و مستوياته حيث استطاع مجموعة من الشعراء الاصلاء  تشكيل الخطاب الشعري و تمتل رغباتهم في التجديد وفق متطلبات الرؤيا الشعرية و الابداعية المعاصرة من جهة و وفق الرغبة الذاتية في التخطي و التمرد و الثورة  على الطقوس الشعرية و الاساليب  المتوارتة مند القديم   وبالمقابل كان الانبهارالاستلابي بتجارب شعراء الغرب والشرق العلامة البارزة في نصوص  شعراء آخرين.

و انطلاقا من الفلسفة المغرية للشعر الحر احس الشاعر العربي و المغربي على وجه الخوصوص ان كل تأسيس يجب ان يدعم بدعامة فكرية صلبة تنظر لهدا التأسيس حتى لا يكون اعتباطيا و هو ما تحقق في تجارب الشعراء الرواد و كتاباتهم التأسيسة خاصة نازك الملائكة في ديوانها شطايا و رماد  و قد اصطدمت الحركية الابداعية بالواقع العربي فكريا و اجتماعيا و حضاريا فكان على الشعراء الرواد ان يدعموا كتاباتهم الشعرية الجديدة بكتابات نترية تساعد على ربط المتلقي و القارئ بحقيقة هده التجربة الجديدة و بالتالي ففي تقديري  لا يستقيم النظر الى مرحلة تأسيس الشعر المغربي المعاصر الا بربطه بصراع  الاجيال

 

ف التأسيس و هي اشكالية تم طرحها من طرف الشعراء و النقاد و قالو متى بدأ الشعر الحديث و مع من بدأ و جل النقاد في المشرق يحصرونها في نارك الملائكة  بقصيدتها زرقاء اليمامة

 

و في المغرب يقول الاستاذ محمد بنيس بان  1976 هو عام بداية الشعر المغربي المعاصر  ولانه الطالب الاول الدي انجز رسالة جامعية بالمغرب  فقد كانت له الفرصة للبحث في الشعر المغربي و يمكن الاشارة الى وجهة نظره في ما يلي :

ان التأسيس الحقيقي لظاهرة الشعر المغربي المعاصر انما كان خلال النمادج المتميزة التي طرحت مع اواسط الستينات للشعراء الرواد : احمد المجاطي و محمد السرغيني و محمد خمار الكنوني و محمد الميموني و احمد الجوماري و عبد الكريم الطبال

فبنيس جعل  هده الفئة من الشعرء في خانة الرواد و قال بان المغاربة وجدوا نفسهم في متاه الاختيارات و توالي مشاهد الاخفاق و الفشل كما ان المعرفة الشعرية لدى هده الفئة من الشعراء مكنتهم رغم تفاوتها من ترسيخ قصيدة مغربية حديثة .

و مما سبق يتضح ان هناك تفاوت بين من الشعرء وهدا ان دل على شيء انما يدل على ان هناك شعراء استثنائيين بمعنى الرواد

و هده الفئة التي  حددها محمد بنيس كانت مبنية على اساس اجيال و لكن  هل  يعقل  ان نضع شاعرا كمحمد السرغيني 1930 مع شاعر كرشيد المومني 1942

 

و هدا الامر هو الدي سيجعل الاستاد محمد السرغيني يسفه عملية التصنيف التي قام بها محمد بنيس و و صفها بالعبثية . فهولاء الشعراء الذين يراهم بنيس مؤسسين لحركة الشعر المغربي الحديث و يطلق عليهم الستينيون يحصرهم محمد السرغيني في تلاثة فقط و هم محمد السرغيني و احمد المجاطي و محمد الخمار الكنوني .

و عليه فمحمد السرغيني انتقد تلميذه  بنيس نقدا علميا دقيقا يتجلى لنا من خلال تقديمه لمجموعة الادلة و هي :

اولا ان هدا الثالوت هو الاقدم عهدا في المغرب في ممارسة الكتابة الشعرية العربية بمفهومها الحديث  ثانيا : ان السرغيني هو السباق الى بث القيم الشعرية الجديدة في المغرب بحكم تفاعله من حركة التجديد في في الشرق وقراءته للشعر الغربي الفرنسي و الاسباني على وجه الخصوص تالثا انه هو الذي عرف تدرجا تصاعديا في سيرورته الشعرية و لا يزال  اي ان الذين اسسو لم يقفوا عند حدود التأسيس بل تجاوزوها

و مما يزيد رأي السرغيني تأكيدا هي تلك الشهادات التي قدمها بعض الشعراء الدين نفاهم الشاعر نفسه من مرحلة التأسيس ترجح رأي السرغيني امثال الجوماري و احمد صبري و بنسالم الدمناتي و عبد الكريم الطبال و آخرون , فالجوماري يقول : مند 1960 بدأت رحلتي مع القصيدة المعاصرة .و بنسالم الدمناتي يقول : …تم تحولت للتعبير عن الذات بشكل جيد مند 1960 .

 و بناءا على ما سبق  يتبين لنا ان مفتاح القصيدة المعاصرة بالمغرب كان في الستينات و لكن رياحها الاولى كانت في الخمسينات

و بالتالي يمكن القول ان انفجار ظاهرة الشعرالمغربي الحديث بمعناه الركامي كان عام 1964 ففي هده الفترة ظهرت حركة التأليف و النشر كما ظهرت مجموعة من التيارات الشعرية الطلائعية و هدا المد سيتقوى في السبعينات لان فترة الستنينات عرفت مخاضا على المستوى السياسي و الاجتماعي و هو ما جعل القصيدة المغربية تتأخر عن مرحلة كاملة و جيل كامل نتيجة وضع المغرب تحت الحماية الفرنسية و الاسبانية الذي كان حائلا دون الالتقاء الفكري و التقافي بين المغرب و المشرق بالاضافة تأخر تاريخي عرفه تميز الصراع بالمغرب , لان المصلحة الوطنية , التحالف الطبقي قبل الاستقلال 

و حينما نتحدث عن التأخر فاننا نفكر ضمنيا في المشرق بمعنى اننا تأخرنا قياسا للمشرق و هدا امر لا شك فيه  .

فعندما نلقي نظرة سريعة على الثرات المغربي يتضح ان المشرق سبقنا و تجاوزنا و السبب يرجع بالاساس الى كون المشرق كان قبلة للطلاب و الدارسين و لان محطتنا الجغرافية جعلتنا ننفتح على ثقافتين مشرقية و غربية

و بالتالي نجد هدا التأثير على الادب الرعبي و المغربي خاصة و استطعنا الاستفادة من ثقافتين فرنسية و اسبانية و صار لدينا خليط من الثقافات

فالاستعمار الفرنسي جعل المغرب مشتتا ولم يستفد حتى من البنيات التحتية و بشكل آلي اثر على الفعل الثقافي متجسدا في في الحمولة الثقافية للطلاب المغاربة باستثناء بعض المراسلات السرية  التي كانت تتم باسماء مستعارة . و عليه فوضع المغرب تحث الحماية الفرنسية كان حائلا دون الالتقاء الفكري والثقافي بين المغرب و المشرق  .

فبدر شاكر السياب هدا الشاعر السندباد -الذي ترك اثرا كبيرا في الشعر المعاصر - لم يعرف معرفة حقيقية الا بعد الستينات الا بعد الستينات , و لبنان كانت مهدا للرمنسيين و الروحانيين في عالم مادي و و كنتيجة لهدا الرواج الادبي خلقت عدة منابر للكتابة و النشر مجلة شعر البيروتية  و مجلة الآداب متلا و اصبح السياب مدرسة كما سيصير درويش مدرسة كما سيصير نزار قباني مدرسة .

     

ففي ظل  الضروف الاجتماعية و السياسية ظهر الشعر المغربي المعاصر و بدأت الحدود بين المشرق و المغرب تزول و بدأ الشعراء المغاربة يطالعون  الشعر المشرقي  و حققوا تراكما و بالتالي ساهم كل ذلك في ادلجة الشعراء و شحن لغاتهم و كتاباتهم و بدأ الوعي يتسرب الى الجامعات المغربية واصبح بامكان الباحثين البحث في هدا الشعر و هدا ما يؤكده الجوماري بقوله : مند 1960 بدأت رحلتي مع القصيدة المعاصرة , ففي هده المرحلة تعرفت على عبد الوهاب البياتي و كاظم جواد و صلاح عبد الصبور و خليل حاوي و السياب  .

فهده الفئة من الشعراء كانوا يشكلون مدارس قائمة بذاتها و بدأ هدا العنفوان و اخدت طابعا ثوريا ضد المستعمر و بما ان القمع و الاضطهاد هو الذي يولد الانفجار و الثورة فان الشعراء  تعاطفوا مع هدا التيار , و اقتنعو بان الثورة على القصيدة التقليدية هي تورة ضد القديم

و بالمقابل لقد كان طموح شعرئنا المغاربة يغدو الى محاولة البحث عن علامة تتجه نحو المستقبل و بالتالي وجدوا في التيار الذي يتور على المستعمر تيارا ثوريا تقدميا بكل المقاييس و عليه انصهروا مع هدا الوافد الجديد

تم ان الصراع الطبقي ساهم ايضا في هدا التأخر و نقصد بالصراع الطبقي ذلك الصراع بين فئتي البرجوازية و البرورتالية و لولاه ما كان للوعي ان ينبتق و هدا الصراع كان انعكاسا مباشرا لهدا الواقع المغربي و بالتالي كان لزاما على الجامعة المغربية و الدواوين الشعرية ان تحتضن هدا التفاوت  الذي يعبر على اشكال و تلوينات لثقافات متعددة امازيغية و عربية ويهودية و فرنسية و غيرها

و نتيجة لهدا التفاوت حصل تمايز في التعبيير عن هده الطموحات و الامال و افرز زخما من الابداعات و الاعمال المختلفة .

و مما سبق يتضح ان محمد بنيس الذي يرى المتقفين و منهم بالطبع الشعراء المؤسسن لقصيدة الشعر الحديث بالمغرب من فئة البرجوازية الصغيرة لم يمتلكو الحساسية الواعية للتغيير على صعيد بنية الوعي المغربي في المجال الشعري الا في اوائل الستينات , فراحوا حينئد يعملون بصبر و ثبات البحث عن قصيدة تتجه نحو المستقبل , قصيدة ذات مكونات و مرجعيات مغربية صرفة انطلاقا من الاستعمار ونوعيته و طبيعته و انطلاقا من طبيعة المجتمع المغربي نفسه , فالبرجوازية الكبيرة و الصغيرة اعطت ما اعطته لهذا الواقع و بالتالي كونت هده الملحمة الشعرية المغربية المعاصرة

و من هنا فاية قراءة للقصيدة المغربية لا بد لها من ملاحظة و استيعاب العلاقة الوطيدة بين بنية المتن و بين الواقع الاجتماعي و السياسي و التاريخي و هدا ما حصل تماما في الستينات التي جسدت تصور شعرائنا المغاربة للواقع السياسي والاجتماعي و الاقتصادي و التقافي و في مرحلة السبعينات تطورت بشكل جماعي و كانت الساحة الثقافية ملزمة لانتاج خطاب تفهمه كل الشرائح الاجتماعية لغاية اقناع المغاربة بضرورة الاقتناع بالتغيير و الخروج الى الساحة,  فسلكوا بذلك طريقة الشعر التحريضي وانطلقت مرحلة النضال شفويا و كتابيا

 

و للشاعر محمد السرغيني رؤية اخرى , مخالفة لما جاء على لسان محمد بنيس ,فادا كان بنيس يقول ان مرحلة الستنينات كانت مجرد ارهاصات و ملامح فالسرغيني يقول انه في  مرحلة التأسيس كان هناك ثورة و تمرد  على القصيدة القديمة  تم خلف جيل ادعى حد التجاوز .

ففي مقالة تحت عنوان : خصوصية القصيدة المغربية المعاصرة للاستاذ محمد السرغيني سفه فيها تصنيفية محمد بنيس : قصيدة الستين و حد التجاوز قصيدة السبعين , متسائلا عن اية حداتة دعا اليها الشاعر السبعيني و ما مدى ما حققه لدى التطبيق

و على هدين السؤالين يخرج السرغيني بالنتيجة و هي ان هده الفترة كانت فترة ظهور المناهج و بالتالي كان هناك انبهار و تأثر بمقولات الحداثة كما جاء بها اعلامها وروادها  في المشرق امثال ادونيس الذي اخد منه هدا الذي يدعي حد التجاوز ,

و عليه فالسرغيني يخرج بالنتائج التالية

 اولا : ان تلك المقولات التي ادعاها شعراء السبعين لم تكن افرازواقع راهن تعيشه القصيدة المغربية المعاصرة و انما هي مجرد استنساخ لتنظيرات ادونيس هدا الاخير الذي اخدها من جماعة شعر الفرنسية

 

ثانيا :  ان شعراء السبعين لم يتقنو لعبة الانبهار وكان هناك تمرغ  و تعاملو مع المناهج بنوع من السطحية وان  الشاعر السبعيني لم يراعي  نوعية المنهج الملائم , و لم يدرك ان النص هو الذي يفرض نوع المنهج و لكي نستوعب الواقع العربي يجب ان ندرسه بالمنهج المادي التاريخي .

ثالتا : ان مظاهر التخطي  و التجاوز التي ادعاها شعراء السبعين متل محاولة اللغة عن طريق اغتصابها و محاولة تثوير القصيدة زمانا و مكانا و محاولة خلق اجواء شاعرية و محاولة البحث عن الايقاع عبر اللايقاع و غيرها  بقيت على شكل تنظيرات و لم يوفقوا في تطبيقها  فلو تحقق لهم دالك لكان افضل

فالتخطي  تخطي للمفهوم القديم للشعر انطلاقا من رفض الحيز التابت و الخامل فيه و الارتقاء الى ما يسمى بالانقطاع حسب تعبير ادونيس اي الوصول بالتجربة الشعرية الى مستوى تجاوز النمط و هدا لم يتحقق للشعراء في مرحلة السبعينات في المغرب و بقيت على شكل اجترار  و استنساخ و تمرغ على سطح المناهج , تم تخطي للمفهوم الذي يرى في الشعر انه و ثيقة جمالية و التجديد ضمن آليات ثراتية  بمعنى ان الخطي و التجاوز و التمرد  يكون على التقليد اي ان نثور على التقليد و ليس ان نثور على الاصل  و من جملة هدا الاصل القصيدة الستينية التي حققت الشي الكثير للادب و الشعر المغربي و بالتالي يجب الانطلاق منها  بمعنى ان على الشاعر السبعيني ان يعي انه اسير لهده القصيدة و انه جزء عضوي فيها

 

رابعا : ان القصيدة الستينية حققت مجموعة من المكتسبات و من ضمنها استقلاليتها و وضوح ملامحها اما قصيدة السبعين فهي لم تححق انجازا و بالتالي لم تصل الى مستوى قصيدة الستين .

 

و يتفق ادريس الناقوري الى حد ما مع السرغيني متسائلا مع القارئ عن السبب او الاسباب التي تحفز القراء و الباحثين لدراسة هدا الشعر فبالامس كان موضع انكار و تسائل تم اذا به بين عشية و ضحاها يصبح مجال بحث و تحليل و استقصاء

و في موضع آخر يقول الناقوري انه اذا استثنينا مجموعة من الشعراء الاصلاء ممن دمغوا التجربة الشعرية بالمغرب و رسخو تقاليدها الناضجة و اسسو اصولها الفنية و الفكرية من متل احمد المجاطي و محمد الخمار الكنوني و محمد السرغيني و كريم الطبال فان التسطح و التشويه و استنساخ شعر الاخرين و الاغراق في التجديد و الانبهار بتجارب شعراء الغرب الخ هي العلامة البارزة في اشعار كثيرة منشورة باسماء شعراء مغاربة .

اصل في نهاية هده الورقة الى رصد مجموعة من النتائج التي استطعت تحصيلها انطلاقا من مراجعة واقع مرحلة تأسيس الشعر المغربي . فقدت لاحظت ان المبررات التي قدمها شعراء الستينات لنفسهم  جد مقنعة , لانها مبررات تستند للحقيقة التاريخية  فاذا  رجعنا الى الوراء نجد ان  هده الفئة من الشعراء الاصلاء كانت السباقة الى تفعيل القراءة للحدث السياسي انداك و هده عين الحداثة و هدا العمل مكنهم من مقاربة الواقع المغربي الزاخر بالتناقضات بعيدا عن سلطة الانمودج من جهة و مخلفات التقليدية من جهة اخرى

لقد ساهم جيل الرواد – شيوخ الشعر المغربي - في تفعيل الرؤيا تجاه الحدث السياسي و بالتالي انتقل الشاعر الستيني من مستوى الملاحظة و التدوين و التأثر الى مستوى المشاركة و التنظير و الابدال  .

بالاضافة الى ارتباطهم المباشر بالتجربة النقدية و الابداعية الغربية  , فكما ان صراع الاجيال في الشعر المغربي ساهم في نمو و رواج هدا الشعر فالارتباط بالغرب مكن شعرائنا المغاربة من استلام الجواب عن السؤال الشعري للحداثة و عن طريق هده العودة للغرب تحددت  استراتيجيا الكتابة

و حينما نقف عند تجربة محمد السرغيني فاننا نستحضر تجربة طويلة و غنية استغرقت ستين سنة توجها بمجموعة من الدواوين و النصوص النثرية  تسمح لنا بالاقتراب من سر هده التجربة و سر هده الصنعة  و بناء تصور حول المسار الطويل الذي قطعه هدا الرجل مند عام  1948 عندما نشر قصيدته الرائعة نشيد الامواج 

فجل ما نخلص اليه بعد التأمل في جل دواوينه  هو ان هدا الشاعر تأثر الشاعر منذ وقت مبكر بحداثة الرؤيا في الشعر العربي كان وراء سعيه الدؤوب من أجل قصيدة تنسج علاقة مع الوجود في وضعياته المختلفة لكي تقبض عليه. وينسجم هذا المنحي في الكتابة الشعرية مع توصيف للشعر كان ابن خلدون قد صاغه في المقدمة حين عرف الشعر بأنه علم لا موضوع له. هذا يعني أن الشعر لدي محمد السرغيني معرفة من نوع خاص، تقوم علي الحدس والرؤيا وتلامس الواقع عن طريق رجع الذات. بهذا تصبح القصيدة عند السرغيني تجربة وجودية بالمعني الأنطلوجي للكلمة. وهي تجربة لا يمكن أن تكون إلا فردية. وهذا ما يفسر تمايز شعره في أكثر الأزمنة تعميما. ففي السبعينيات علي سبيل المثال كان الشعر المغربي يشكل تيارا جارفا ليقبض علي الواقع بآلامه وآماله، بينما كان السرغيني منشغلا بصياغة رؤاه بعيدا عن زحم الشعارات، وربما كان هذا سببا في عزوفه عن نشر أشعاره في تلك المرحلة

ان اصرار السرغيني  على اخراج شعره من دائرة اليومي و الواقعي و ربطها بالتجربة و الرؤيا هو نوع من الخوض في الصوفية

و ما الخطاب الصوفي الا اشتغال على اللغة في ذاتها و من اجل ذاتها و اختراقها  و هدا ينتج عنه غموض  دلالي  و لذة  بين التصوف و الشعر

و بهذا المعنى  يتضح ان الكتابة عند السرغيني قد اغنت الرصيد المعجمي للغة العربية  و بالتالي فشعرية القصيدة عند السرغيني تقتضي قارئ دو قدرات عالية كما نظر لها رواد جماليات التلقي ايزر و هانس روبريوس ياوس لان القصيدة  السرغينية تتحول الى قصيدة عالمة  مليئة بالانزياحات و التكثيف  و الغموض  بالاضافة الى الاكتار من ذكر اسماء الاعلام و الاماكن

و عليه  فمن ضمن ما نخلص اليه ان محمد السرغيني يشكل مدرسة قائمة بداتها  مازالت بحاجة الى الاكتشاف خاصة اذا علمنا ان النقد لم يصنف شعر السرغيني  لان قصائده بكل بساطة تتمتع بتلك القدرة على التمنع عن المقولات و المفاهيم المسبقة



Créer un Blog | Nouveaux blogs | Top Tags | 70 articles | blog Gratuit | Abus?